أحمد الشرباصي
32
موسوعة اخلاق القرآن
« وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ » . أي تواضع لهما فوق طاعتهما وحفظ حقوقهما ورعاية حرمتهما ، فاخفض لهما جناح الذل بلين المنطق ، وجميل اللقاء ، ولطف المعاملة ، وحسن المداراة ، والمبادرة إلى الخدمة ، والصبر على أمرهما ، وترك التبرم بمطالبهما . ويعلق جار الله على كلمة : « جناح الذل » فيقول : فيه وجهان : أحدهما أن يكون المعنى : واخفض لهما جناحك كما قال : ( واخفض جناحك للمؤمنين ) فأضافه إلى الذل ، كما أضيف حاتم الطائي إلى الجود ، على معنى : واخفض لهما جناحك الذليل الخاضع . والثاني أن تجعل لذله جناحا خفيضا مبالغة في التذلل والتواضع لهما على سبيل الاستعارة ، كما جعل لبيد الشاعر لريح الشمال يدا ، وللقرة - وهي شدة البرد - زماما ، في قوله : وغداة ريح قد كشفت وقرة * إذ أصبحت بيد الشمال زمامها والنيسابوري في تفسيره يذكر أن الطائر إذا أراد ضمّ فرخه اليه للتربية والحضانة ، خفض له جناحيه فلذلك صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير ، وهذا المعنى مناسب لحسن المعاملة التي نطلبها من الولد والديه ، إذ لا بد من بذله الجهد حتى تأتي معاملته على أحسن وجه ممكن . * * * ويأتي الموطن الثالث وهو قول الله جل جلاله في سورة الشعراء : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » .